كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة
December 23, 2009 في الساعة 1:08 am |في قسم موضوعات عامة | لاتوجد تعليقات
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا المبعوث رحمة للعالمين محمد بن عبد الله
ثم اما بعد….
أحبتنا في الله. نعم نقولها بصدق. أنتم أحبتنا في الله. نشهد الله تعالى على حبنا لكم جميعا حبا نلتقى به في ظله يوم لا ظل إلا ظله. كل عام وأنتم بخير، كل عام وأنتم أقرب إلى الله وأدوم على طاعته. أسأل الله تعالى – إن قدر الله لنا البقاء – ان نلتقى في يوم عرفات من العام القادم في بيته الحرام.
أحبتنا في الله. مرت علينا أيام مباركة عظيمة هي خير أيام العام. مرت علينا هذه الأيام لتختم بيوم عرفات ويليه العيد وأيام التشريق، وتمر الأيام ليدخل علينا شهر الله المحرم وذكرى أعظن هجرة في تاريخ البشرية. فالحمد لله أننا نُنسب إلى هذه الأمة المباركة التي خلقها الله وشرفها بأن تكون خير أمة أخرجت للناس وجعل لها أيام مباركة تكون سبباً في العودة إلى الله وتكون سبباً لصلاح حال ديننا ودنيانا. وقبل كل ذلك شرفها بصفاء التوحيد ونقاءه. وشرفها بحمل راية الحق ودحض الباطل إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها.
ولعل شاب نقاء بعض هذه الأيام ما رددته آليات الإعلام وتناولته الصحف والفضائيات وتاجر به الأدعياء من أعوان أبي لمعة الكذّاب من أحداث آسف أن تجري بين شقيقين مسلمين كانا – مع باقي الأشقاء – كالبنيان على مر التاريخ يشدّ بعضه بعضا. فنسيا كل شئ في مقابل الساحرة المستديرة. ذلك السحر الأسود الذي عَمَت له العيون وصمّت به الآذان وماتت منه الضمائر. في الوقت الذي ادعى كل فريق من الأدعياء بأن الحق معه بدعوى حب وطنه وعصبيته له. فباسم حب الوطن أسب واضرب وأقاتل. باسم الوطن أوالي وأعادي، أحب وأبغض. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولعل هذه الأحداث قد فضحت الجهل المدقع والفقر الفكري لا أقول على مستوى الشعوب فحسب، ولكن على مستوى القادة والساسة وأصحاب الفكر والرأي – إلا من رحم ربي منهم – والكل فيهم ادّعى وصلاً بليلى، وليلى لم تُقر لهم بذاك. وتحول الأمر إلى مزاد والكل يزايد إما لتحقيق أغراضه وإما للتشفي من آخرين أو منافسين أو لتحقيق مكاسب سياسية وإلفاف الجماهير حوله تسبيحاً بحمده في استغلال سافر لتوحد جماهير الشعب المصري إزاء ما حدث في موقعتي القاهرة وأم درمان ومن قبلهما موقعة بليدة بالجزائر.
أما على جانب الشعوب، فالواقع المذري كشف الحقيقة التي أقولها بملئ الفم والفؤاد. وأقولها وأنا في منتهى الألم. أن ما حدث كشف العقيدة الهاوية لشعوبنا. فما حدث لا أبرئ منه مسلماً أو عربياً، تلك الشعوب التي لم تحقق معني “لا إله إلا الله” إلا من رحم الله منهم. وجعلت عقيدتها عقيدة نظرية بلا جذور راسخة على أرض الواقع، وبدنوّ وانحطاط في الأماني. كشفت الأحداث أن الهواء الذي يملأ الكرة لا يختلف كثيرا عن الفراغ الذي يملأ عقولنا وعقيدتنا.
أعيروني القلوب والمسامع لعلي آتيكم بقبس من الحق أو أجد إلية سبيلا. دعوني اتحدث في معنى شهادة أن لا إله إلا الله وارتباط ذلك كله بما يجري. بدايةً، ماذا تعنى الشهادة؟ تخيل حبيبي في الله أنك دعيت لتشهد أمام القضاء في أمر ما. فهذه الشهادة المطلوبة منك حتماً سوف تؤدي إلى نتيجة من اثنتين. إما أن تحق بها حقًا كان على وشك الغرق والانقشاع، وإما أن تبطل بها باطلاً انتفش واستغلظ وخُيل لصاحبه أن سينتصر، أو ربما تؤدي إلى الاثنتين معاَ. فالشهادة كلمة تخرج لتغير من الأحداث، بل لتغير مسار الأحداث. يطلقها صاحبها ويصرخ بها عالياً في وجه الناس، في وجه التاريخ، في وجه الباطل. بل وقد يضطر للصراخ بها في وجه الوطن والأحباء إذا ما اضطر لذلك.
أما شهادتنا التي نتحدث عنها في مقامنا هذا هي أعظم الشهادات، وأجلُّ الكلمات، هي شهادة أن لا إله إلا الله. يكون معنى أنك تشهد أن لا إله إلا الله انك في ساحة الحياة تدفع بعملك باطل المبطلين وتجابه بحقك ضلال الظالمين وتعلن أنك مستمسك بعرى هذا الحق وأنك لا تخفيه في سريرتك بل تشهد به ليظهر بين الملأ ويُعرف ويتقرر.
تشهد بمطلق التوحيد لله عز وجل. تشهد بأن الله هو الإله وحده لا شريك له، تشهد بأن الدين ما شرع، وان الحق ما أحق، وأن الأنبياء هم عباده ورسله أرسلهم ليخرجنا من الظلمات إلى النور، لا نفرق – في أصل الإيمان – بين أحد منهم. وتشهد أن كتاب الله هو كلام الله وهو المنهج الحق الذي حفظه الله من كل تحريف. ولا تجد في نفسك شئ من حكم الله في كل أمور الدنيا والدين. تشهد لهذا الدين بشموليته، دعوة ماجدة تحميها دولة مجاهدة وعقيدة نقية تعكس شريعة مهيمنة، ومنهج راقي له تطبيق واضح في الحياة بدون فصل بين هذا المنهج وأسلوب الحياة، تشهد بأن هذا الدين يحقق العدالة والمساواة، يعالج أمور الدنيا ويضمن ثواب الدار الآخرة. ويتزن إيمانك في ما اختُلِف فيه على الدليل من القرآن والسنة بفهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يسعنا في ذلك ما وسعهم ولا يؤخرنا من خذلهم.
فالقضية – أحبتي – ليست قضية جمهور مشاغب أو باطل غاصب يُوجب عقاب رادع. القضية اننا نسينا أن “لا إله إلا الله” تجمعنا على الحق انطلاقاً من جذور واحدة، وتنطلق بنا إلى سماء العزة فخورين بالانتماء لخير أمة أخرجت للناس، لأنها أمة الحق، أمة واحدة. تجمعنا بعقيدة راسخة لمواجهة باطل واحد وعدو غاصب هذا العدو هو – بلا شك – أمم الكفر التي تحارب الله ورسوله انطلاقا من عقائد فاسدة. فلا سبيل لتوحيد كلمة المسلمين سوى كلمة التوحيد. أريد أن اصرخ بها مدوية في قلوب الجميع أن يا عباد الله كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة، ولا توحيد للكلمة قبل تحقيق كلمة التوحيد تحقيقاً ينتقل بنا من ضيق العصبيات والقوميات إلى آفاق الطهر والصفاء. كما انطلقت بالصحابة إلى أن أصبحوا بها سادة الأرض وملوكها. لم تكُ لديهم المجلدات والكتب التي تزخر بها المكتبة الشخصية لكل مسلم في بيته بل وعلى جهاز المحمول الخاص به ينتقل به حيث يشاء. لم تكن لديهم السير للذهبيّ وصحيح الترمذيّ وتفسير الطبريّ وموسوعة الفتاوى لابن تيميه والفقه على المذاهب الأربعة والمجامع الفقهية المختلفة، ولكن كانت لديهم العقيدة السوية الراسخة ممزوجة بالفهم الصحيح للدين ففتحوا بها الدنيا، فتحوا بها القلوب ووحدوا بها الصفوف ونزعوا بها الضغائن وطردوا بها العصبيات الزائفة والشعارات الواهية.
إن الشهادة ليست فقط دلالة إيمان. بل هي معالنة برأي، وتقويم لسلوك، مكابدة وكفاح. إنها شهادة ما أن تلبث وتستوي وتستقر في نفس المؤمن حتى تنتقل به من ساحة القضاء إلى ساحة الحياة لتكون شارة مذهب بعينه. وصبغة نفس عرفت الله وقررت أن تسير باسمه في كل درب.
لاتوجد تعليقات »